بالمختصر

الحدود الأخلاقية للأعمال الخيرية الإسلامية

هل من الأخلاقي أن يقدم المسلمون مساعدات إنسانية للاجئين في أوكرانيا، وأشخاص من جنسيات أخرى شردهم الغزو الروسي إلى بلدان حدودية ؟ هل من المقبول أن يقوم قادة تلك البلدان المضيفة، بمنع اللاجئين المسلمين بوحشية وحزم من حقهم الإنساني في الضيافة، وإنقاذ حياتهم لسنوات فقط  لأنهم "مسلمون"، وحتى عندما يكون العديد من مواطني هذه الدول بما في ذلك بعض الأوكرانيين هل أظهروا بالمثل ازدراءً للاجئين المسلمين والنازحين من غير الأوروبيين ، وأعلنوا صراحة عداوتهم للإسلام؟

3 30 22 moral limits

بعض هذه التساؤلات أثارها متبرعين المؤسسات الخيرية الإسلامية الدائمين، مثل مؤسسة الزكاة الأميركية، هذا السؤال تم طرحه على موظفينا ومديرينا.إنهم يدينون دعوتنا للمسلمين وغيرهم لتقديم الإغاثة لمئات الآلاف من اللاجئين والنازحين .

أدان هؤلاء المانحون  الدائمون واعترضوا على "أي مساعدة نقدمها إلى الأوكرانيين المشردين البيض ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر" باعتبارها إنسانية مضللة في أحسن الأحوال، أو ببساطة انتهازية، يقولون إنهم "لا يستطيعون بضمير حي أن يدعموا نظامًا عنصريًا ومعاديًا للإسلام في بولندا، والذي ستدعمه منظمتكم بشكل غير مباشر" بهذه المساعدة ، وأنهم ، كمسلمين ، "يشعرون إلى جانب العديد أمثالهم بنفس الطريقة حيال هذه القضية".

إنهم يعتبرون أي جهد إنساني خارج من المسلمين لأوكرانيا اختلاسًا للأعمال الخيرية. لا تمثل حرب أوكرانيا المرة الأولى التي يعترض فيها المانحون المسلمون على المساعدات الإنسانية التي قدمتها مؤسسة الزكاة الأميركية للأشخاص الذين يعانون من كارثة.

عندما اجتاحت كارثة تسونامي عام 2004 مئات الآلاف،وأصيب نصف مليون، وشردت 5  ملايين طفل  شردوا، و 1.5 مليون طفل يتموا ، صدقوا أو لا تصدقوا ، اشتكى بعض المانحين المسلمين من سرعة تقديم مؤسسة الزكاة الأميركية المساعدات للمنكوبين في جميع أنحاء العالم.
"لماذا تساعد هؤلاء المذنبون؟ هل تعرفوا ما يجري في جزيرة بالي في اندونيسيا؟ "

هكذا جاء النقد اللاذع من بعض المسلمين المتدينين. يروي السيد خليل دمير المدير التنفيذي لمؤسسة الزكاة الأميركية،ردة فعله الحماسية ، وإن كانت عفوية على مكالمة مفاجئة من أحد هؤلاء المنتقدين في كتابه الأوهام التسع حول الجمعيات الخيرية الإسلامية9 Myths About Muslim Charities، الذي أصدره  في عام 2019 ، ذكر في بعض أجزائه دليل على حتمية  الصدقة الإنسانية في الإسلام ، إليك ما قاله حرفيًا حول دفاعه الدائم عن المساعدة الإنسانية، التي يقدمها المسلمين لكافة الضحايا من دون تحيز، مقنعًا جدًا بمساعدة أوكرانيا اليوم:

"ليس لنا أن نحكم على الآخرين،أو حتى أن نتمسك بأفكار مسبقة حول معاناة شخص ما،اذن لنا أن نشهد أي أن نكون واعين ثم نتصرف بناءً على ذلك الوعي بطريقة بشرية".

وأضاف"هذا هو دورنا كعاملين في المجال الإنساني وكمسلمين و كأمة الوسط ، لمساعدة أكبر عدد ممكن من البشر. لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس. أن نكون هناك من أجل الضحايا الذين يبكون ، الضحايا الذين فقدوا عائلاتهم وسبل عيشهم في لحظة، ضحايا يعانون من الألم".

"هذا ما نعرفه و ما أمرنا بفعله. هذا ما يخبرنا القرآن أن نفعله. هذا ما أردنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نفعله. هذا ما تُحذرنا كل تعاليم الإسلام من القيام به ".

ثم تطرق إلى تفنيد مباشر للدعاية المناهضة للإسلام ضد المؤسسات الخيرية الإسلامية من قبل "كادر قوي من النقابيين المسلمين الذين ظهروا منذ ذلك الوقت"، موضحاً الأسس القرآنية لتطبيق المعونة الإنسانية الإسلامية على الصعيد العالمي ، ويفضح انتشار التفسير الخاطئ الجسيم الذي يتم توجيهه بشكل غريب من قبل هاتين المجموعتين المتعارضتين تمامًا.

نحن المسلمين لا يمكن أن نعتبر أن  المساعدة الإنسانية مقتصرة علينا بشكل حصري. لا،نحن المسلمين لا نستطيع منع المساعدة عن أي محتاج يمكننا الوصول إليه.

القرآن الكريم يتعبر أن الصدقة دليل على حقيقة إيمان المسلم ، بينما يعتبر صد الضعفاء إشارات على كفر المرء.

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ،فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ،وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) سورة الماعون الآيات 1-3.

 لكن انظر الى الخاتمة المذهلة لهذه الآيات، وهذا تهديدٌ ووعيدٌ للمنافقين الذين يتظاهرون بالصَّلاة في العلن لكن لا يصلونها في السرِّ، لأنَّهم ينكرون الصَّلاة ولا يعتقدون وجوبها، فهم يدخلون أنفسهم في جملة المصلِّين ويصلُّون رياءً وليس طاعةً لله، وهذه الآية صفةٌ لهؤلاء المنافقين؛ أي أنَّهم غافلون عن الصَّلاة غير مبالين بها، ولا يكترثون بدخول وقتها أو بخروجه، و يمنعون الفقير من بعض الأشياء التي لا يمتلكها.

( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) سورة الماعون الآيات 4-7.

ليس في النص أو المبدأ أن الإسلام  يدعو لمساعدة المسلمين فقط. بل إنه يحثنا على عكس ذلك تمامًا. إنه يطالب المسلمين بإثبات حقيقة الإيمان الذي يدعونه وصدق العبادة التي يؤدونها من خلال مساعدة جميع المخلوقات المحتاجة، وخاصة الأشخاص الذين يعانون حرماناً منهكاً أو كارثة أو ضعفاً مجتمعياً بشكل ظاهر للعيان، والإسلام يدعو إلى ذلك دون الالتفات إلى المكان أو العرق.

وبعبارة أخرى،فإن الإسلام يعتبر نفسه شاهداً على عملنا الإنساني. إن الشرط الأساسي لهذا الإجراء هو الانفصال عن الرغبة في الحصول على معروف أو شكر. وبدون هذا العمل البشري البحت، فإن مهنة الايمان بالله الواحد لا تزال ناقصة.فالإسلام يرفض فك توأمة الإيمان والعمل ، وهما المحور المزدوج الذي يرتكز عليه هذا الدين.

نحن المسلمين، إذا أردنا أن نكون مخلصين للإسلام،لا يمكننا فقط ، بل يجب علينا أن نقدم  المساعدة لكل المحتاجين والضحايا الذين يمكننا الوصول إليهم ، بما في ذلك لاجئي أوكرانيا والمهجرين من الديانات والأعراق والإثنيات الأخرى.

الصدقة تدعم إيمان المرء بالإسلام. هذا هو المعنى الحرفي للصدقة ، أو الصدقة الطوعية "لتأكيد الحقيقة". أن تكون مسلماً هو صدقة. في هذا ، نسعى  أن نكون مرآه لمحبة الله ،كما قال في محكم كتابه العزيز(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء) سورة المائدة الآية 64

أرسل مساعدة إلى أوكرانيا

أرسل مساعدة