من المواضيع الرئيسية في القرآن الكريم العدالة الاجتماعية لفئات المجتمع المستضعفة والتى لاتجد الدعم الكافى من مجتمعاتها وفى هذا الشأن يقول الله تعالى فى القرآن الكريم:

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ(سورة التوبة ، 9:71 )

يمكننا أن نلاحظ أنَّ ذكر الزكاة فى هذه الآية من القران الكريم له أهمية خاصة، فهو يشير إلى الخصائص المميزة للمجتمع الذى يؤدى الوظائف المنوطة به على الوجه الأكمل و على الوجه الإنسانى الكامل، فهو بذلك يعمل على تعزيز الرعاية و المحبة بين الأفراد ومع بعضهم البعض من خلال ضمان العدالة لمن هم فى حاجة إليها، وفي نفس الحين يحمي الضعفاء من الأذى.والإستغلال الذى قد يلحق بهم من ذوى النفوس الضعيفة فى المجتمع. كذلك نجد أن الناتج من ذلك له شقين فهو يؤدى إلى علو الوعي الروحي للمسلم من خلال الصلاة كما يعمل على رفع الوعي الاجتماعي عن طريق إخراج الزكاة. وتُظهر هذه الآية أن لهاتين الشعيرتين (الصلاة والزكاة) مكانة خاصة وسط أوامر الله ورسوله وهى تهدف لبقاء المجتمع متماسكاً ومتحاباً.

ولا تعتبرهذه الرؤية أمراً مثالياً أو شيئاً من ضرب الخيال. فهى خلافاً لذلك، تمثل الحد الأدنى للمعيار الأخلاقي المقبول للمجتمع الإنسانى الفاعل. إن الزكاة تلعب دورا رئيسيا في خلق مثل هذا المجتمع الذى يمثل نموذجاً يحتذى به إذ أن الزكاة لا تمثل فقط حق المساعدة للمحتاجين وتسهيل دعم المجتمع المستمر من الأغنياء للفقراء، ولكنها تساعد في بناء علاقات الإلفة الاعتبار والمحبة بين أفراد المجتمع. إن إخراج الصدقات وممارسة أعمال البر والإحسان هى الرباط الذى يقرب المسلمين لبعضهم البعض وهى الإلتزام الذى يحسون به لإطاعة أوامر خالقهم. يعمل الدين الإسلامى على بناء المجتمع مستنداً على الإلتزام الإنسانى الذى يشعر به ويقوم بتطبيق أركانه كل مسلم بما يقوم به تجاه أخوته المسلمين من العمل على توفير العيش الكريم لهم ويُعرف مبدأ الالتزام الاجتماعي المتبادل بين الأفراد بالتكافل ، وهو ما يعنى ” المسؤولية المشتركة” ويشمل ذلك إخراج الزكاة كعبادة إلزامية. إنّ مبدأ المسؤولية المشتركة يساعد المسلمين على تصور مجتمعهم كأسرة واحدة ممتدة. على امتداد التاريخ الإسلامى ظل المسلمون يداومون على إخراج ما عليهم من زكاة كإلتزام إسلامي بالطريقة التى فرضها الله وقام بتطيبقها رسوله الكريم الشئ الذى يعتبر الآن أحد المعجزات الإجتماعية فقد إزدهرت المجتمعات وعاش أفرادها حياة كريمة. تعمل الزكاة على إيقاظ الروح الاجتماعي للأفراد مع أصدق تعبير عملي للإخاء بينهم فعندما يدفع المسلمون الزكاة نجد أن كل المجتمع يشبه الأسرة الواحدة، فإن القادر يعمل على مساعدة غير القادر ، والفرد يعمل لمصلحة الكل. وفى هذا المعنى جاء فى الحديث الذى يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم:

((مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى [أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير]

من مزايا الزكاة أنها تعمل على نشر الطمأنينة والسلام وسط أفراد المجتمع ذلك لأنها تؤمن توفير بعض متطلبات المعيشة من مأوى ومن المرافق المجتمعية الأساسية لذوى الحاجة ولعوائلهم. إن سر الزكاة لايكمن فقط فى أنه يربط بين الأفراد من خلال الشعور بالمسؤولية الشخصية ، بل إنه يعمل على تنمية شعور الأفراد بالالتزام بتحقيق الاكتفاء بين أفراد المجتمع. إن الزكاة تمثل حصناً منيعاً ضد التفكك الاجتماعي ويمكننا القول بأنه لايوجد حصن إجتماعى أكبر منها.

تعتبر الزكاة أول نظام إجتماعى على نطاق المجتمع المحلي يعمل على تنظيم دعم وإعانة المحتاجين وربطهم بشبكة مجتمعية تسهل طريقة دعمهم وهى مؤسسة ذات مغزى لها أسس دينية واجتماعية واقتصادية واضحة المعالم كما أن لها قواعد وأنظمة وهياكل ومعايير ووظائف محددة تحكم تطبيقها على أرض الواقع والزكاة لا تعتمد على الصدقات التطوعية بل إن جمعها يجب تنفيذه بواسطة افراد المجتمع وفقاً للقواعد المشار إليها سابقاً.

لقد إكتمل تفصيل نظام الزكاة كما جاء فى القرآن الكريم وفى سنة النبى وتم تطبيقه فى القرن السابع الميلادى وفى خلال سنوات قليلة بعد هجرة النبى للمدينة المنورة صار نظام الزكاة مطبقاً بفاعلية عالية للدرجة التى قل معها عدد المحتاجين بنسبة كبيرة. ومن الملاحظ أن أحد فضائل الزكاة أنها توفر للفقراء الكثير من إحتياجاتهم اليومية كما أنها تعمل على ربط الفرد بالمجتمع من حوله وفى نفس الوقت تدعم إهتمام المجتمع بالأفراد وتمكن الناس من فصل أنفسهم والنأى بها عن كل ما من شأنه إستدامة الفقر وسط بعض شرائح المجتمع.

إذا القينا نظرة على التاريخ المعاصر فإننا نجد أنه وبعد مرور ثلاثة عشر قرناً على وفاة النبى صلى الله عليه وسلم لم تتمكن الدول الأوربية أو الأمريكية من معالجة مشكلة الفقر بأسلوب منهجى فعال وقابل للقياس وأنها بدأت حديثاً وبالتحديد فى عام 1941 فى إنشاء إتفاقية عالمية بين الحكومات لضمان وإحترام حقوق الرعاية الإجتماعية لمواطنيها ولكن وحتى مع كل ذلك لازالت هنالك بعض المعتقدات والممارسات التى تكون جزءاً من النظريات الاقتصادية الرأسمالية و الشيوعية تتسبب فى إزدياد حدة التفاوت في الدخل العالمي الشئ الذى من شأنه أن يتزايد إلى الحد الذى قد يهدد الحضارة والبيئة ، كما هو واضح فى عصرنا هذا.

إن المصادر الإقتصادية المختلفة التى فى أيدى الناس تعتبر هبة من الله وفى نفس الوقت فهى أمانة فى أعناقهم لذلك فإن الإسلام يؤكد على مبدأ التوزيع العادل للدخل وللثروة من أجل تحقيق مقابلة إحتياجات جميع أفراد المجتمع. وقد أدت بعض العوامل الإجتماعية مثل إستغلال مهارات الأفراد ومجهوداتهم الشخصية وأصول عوائلهم ومواقع إقاماتهم، تسببت فى بروز الكثير من عدم المساواة بين الناس. لذلك وفي حالة غياب القيود و الآليات الاجتماعية الكافية لإعادة توزيع الثروة فإن الثروة سوف تتركز دائما في أيدي قلة قليلة من أفراد المجتمع.

ومن أجل معالجة هذه الأمور فقد أوجب الله تعالى على المجتمع المؤمن إتباع قوانين صارمة تخص الميراث والتصرف فى المال العام كما فرض الزكاة لمعالجة عدم المساواة فى الدخل وفى امتلاك الثروات وفى هذا يذكر القرآن الكريم الهدف من عدم إحتكار الثروة:
“كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ” (سورة الحشر 59:7 )

تشتمل المجتمعات المختلفة على فئات من الناس الذين قد يجدون صعوبة في كسب لقمة العيش من خلال العمل الخاص بهم، سواء بسبب العجز الجسدى أوانعدام الفرص للعمل، أو بسبب الإنتاج الكئيب أو بسبب تدنى الأجور. لقد تناول الإسلام معالجة مثل هذه الحالات عن طريق مساعدة المحتاجين و تحمل المسؤولية الفردية والجماعية أولاً من داخل الأسر المسلمة والمجتمعات المحلية، ومن ثم من خلال المجتمع الإسلامي العالمي ككل وعلاوة على ذلك ، فإنه يحرم بأقوى و أوسع الشروط، وصم المعوزين أو إلقاء اللوم عليهم بسبب حالتهم الإجتماعية. ( القريشي ، دليل احتساب الزكاة السنوي ، 13-9 ).

إذا لم تقوم المجتمعات الإسلامية بتطبيق الأوامر الإقتصادية الشاملة المستخلصة من القرآن والسنة النبوية ، فإن الزكاة وحدها لن تكون كافية لإعادة خلق مجتمعات خالية من الفقر ، كما تم ذكره سابقاً، ولكن مع الأسف فهنالك الكثير من الأمثلة على هذا النوع من القصور في المجتمعات الإسلامية في عصرنا الحالى.

وحتى لوتسنى لأى مجتمع إسلامى تطبيق مبادئ الزكاة بكل الدقة فإن ذلك، وبمعزل عن جميع العوامل الأخرى، لن يكون قادراً على مكافحة الفقر بصورة جزرية. إن الزكاة تعتبر بمثابة جزء من وصفة إقتصادية إلاهية لتمارس على مستوى العالم فعلى سبيل المثال فإن الإسلام يحرم الإسراف ، سواءاً كان الشخص غنياً أو فقيراً وبالتالي فإن امتلاك أدوات مصنوعة من الذهب أوالفضة ، أو الإقامة في منازل واسعة لأجل المباهاة يعتبر مكروه وقد يصل حد التحريم.

وبالإضافة إلى ذلك ، يحرّم الإسلام أيضا كسب الفائدة على الأموال. وبدلاً من ذلك ، فإنه يشجع الناس للعمل من أجل إكتساب المال ، وليس للإعتماد على الديون صعبة السداد والتى قد تجلب الشقاء والبؤس. وعلاوة على ذلك فإن الإسلام يدعو الأغنياء لتوظيف الفقراء حتى يكسبوا مالاً من مجهودهم الخاص ولايحتاجون للمساعدة من الآخرين. وبنظرة تاريخية عامة فإننا حتماً سوف نلحظ النجاحات التاريخية الباهرة الناتجة عن تطبيق شعيرة الزكاة، والتى تمثل نظاماً إلاهياً مفروضاً على المسلمين، للعمل في إطار الأوامر الاقتصادية الإسلامية الأخرى.

إن للزكاة قوة تحويلية لطبائع وممارسات الأفراد ويظهر ذلك جلياً فى أوساط الناس الذين يتحلون بمفاهيم الإسلام من نكران الذات ، وضبط النفس ، والاكتفاء ، والقناعة ، والتواضع، و العيش وسط الأسر الممتدة و تحمل المسؤولية العائلية و محبة الفقراء؛ كما يظهرأيضاً وسط المجتمعات التي يلتزم أفرادها بتطبيق وبدعم العهد الإلهي لجميع المسلمين لضمان حق الفرد المؤمن و غير المقيد لممارسة العبادات. لقد أثبتت الزكاة على مر العهود قوتها التحويلية وسط الأفراد والمجتمعات.

Loading...