شيكاغو تريبيون : بناء جسور التعايش السلمي بين المسلمين والكاثوليك

عاشت السيدة نهى دبوسى سنين طفولتها في لبنان وهي تذكر كيف كانت هي وصديقتها المسيحية تساعدان بعضهما البعض خلال فترات الصيام المرتبطة بديانة كل منهما فقد كانت صديقتها تراقب شهر رمضان معها كما كانت هي تراقب فترة الأربعين يوما التي يصوم خلالها المسيحيين.
وكما تحكي نهى فقد كان ذلك شعور طيب متبادل بين الأطفال لفترة طويلة من الزمن وأنه حينما يجتمع المسلمون والكاثوليك في المساء حول مائدة طعام واحدة تتجلى الرغبة المشتركة الاحترام وتجلة الجانب الآخر حيث أنها كانت حكاية تستدعي إشراك الجانب الآخر فيها.
وفى مناسبة ذات صلة فقد أقيم احتفال الإفطار الكاثوليكي-الإسلامي السنوي الذي يحمل رقم 19 ، تحت رعاية مجلس المنظمات الإسلامية في شيكاغو الكبرى، وذلك في ليلة الاثنين في مقر مؤسسة الزكاة الأميركية في حى بريدج فيو.
وقد تجمع ما يقرب من مائتى شخص للاستماع لكلمات الخبراء والمختصين الذين تحدثوا عن طرق بناء الجسور للتواصل بين كل معتنقي الأديان المختلفة، ومن ثم تناول وجبة الإفطار عند غروب الشمس وبعد صيام يوم آخر من أيام شهر رمضان كما هي العادة لدى المسلمين في هذا الشهر المبارك.
وفى داخل غرفة واسعة في مبنى مؤسسة الزكاة والتي قام بتأسيسها خليل ودونا دمير قبل أحداث 11/9 بأشهر قليلة، جلست مجموعة من الكاثوليك والمسلمين يتبادلون الآراء والقصص حول ما ينتشر اليوم عن التخوف من الإسلام وكيفية معالجته في عالم اليوم المتسم بالاضطراب والعنف.
وكان رئيس الأساقفة بليس كيوبتش من بين المتحدثين الرئيسيين حيث رأى أن تكون تلك المناسبة فرصة مناسبة لتعلم المزيد عن ذلك التجمع ولمعرفة الآخرين والتعرف بشكل أفضل على جيراننا، وأضاف أن ذلك التجمع يمكن أن يصبح نموذجاً يحتذى به في مختلف أحياء ومناطق شيكاغو.
وأكد بليس على أن ما حدث أخيراً من قتل راح ضحيته تسعة وأربعون شخصاً في أورلاندو يستدعي المزيد من التحاور لوقف مثل هذه الأحداث.
وتعليقاً على الدور الإيجابى الذى يمكن أن تلعبه مثل هذه اللقاءات قال بليس “الحمد لله فبعد ما يقرب من عقدين من حفلات الإفطار التي تجمع بين مختلف الأديان أصبح لدينا، هنا في شيكاغو، أساس قوي يساعد على مواصلة بناء علاقات متينة لتعزيز صداقتنا ومعالجة الموضوعات ذات الاهتمام المشترك”.
ثم أردف بليس بنقله بعضاً من كلمات بابا الفاتيكان البابا فرانسيس، حيث قال “نحن كلنا كمسلمين أو هندوس أو كاثوليك أو انجيليين،جميعا أبناء إله واحد،وعلينا أن نعيش في سلام إننا نريد أن نكون في وحدة شاملة ومتكاملة”.
تلى ذلك حديث جيمي ميرتشانت، المتحدث الرسمى باسم مؤسسة الزكاة، حيث قال “إنه من المهم حقا أن تتضامن الجماعات الدينية المختلفة مع بعضها البعض في عصرنا هذا بهدف إرسال رسالة قوية للتضامن، كما أنه من المهم أن ندعم بعضنا بعضا حتى لا نكون عرضة للإهانة والتجريح بسبب تصرفات أعداد قليلة من الأفراد المضللين “.
ومن جانب آخر فقد تحدى عزام نظام الدين ، الأستاذ المساعد في علم اللاهوت في جامعة لويولا، الكاثوليك والمسلمين بأن ينظروا إلى تلك المسألة بشكل مختلف حيث قال “يظن الكثير من الناس بأن التخوف من الإسلام ما هو إلا مرحلة من مراحل التمييز، لكنه فى الحقيقة نوع آخر من الطقوس التي يتميز بها المهاجرين القادمين من بلاد أخرى والذين لا يجدون القبول في المجتمع لفترة قد تطول أو تقصر، تليها فترة قبول وانصهار في المجتمع الجديد، وإني أتساءل هل نحن ببساطة نسخة أخرى من المهاجرين الأيرلنديين الذين قدموا فى أوائل القرن العشرين أو من اليهود الذين جاؤوا في أواخر القرن التاسع عشر أو من الكاثوليك الذين قدموا قبل 75 او 80 عام؟”
وأضاف عزام أن هذا الأمر يتطلب من الأمريكيين العمل على وقف تمويل الأفراد والمجموعات التي تعمل على ترويج الكراهية وغرسها في نفوس الآخرين، وأنه يجب على المواطن الأمريكى العادى أن يعلم بأن هناك بعض الناس يتلقون أموالاً مقابل أن يعملوا على تعزيز التعصب والكراهية، منوهاً إلى أنه من الممكن مجابهة كل ذلك بالتأكيد على القواسم المشتركة بيننا كمسيحيين ومسلمين.
ومن ثم تحدثت ريتا جورج تيرتكوفتش، الأستاذ المشارك في علم اللاهوت في جامعة بينديكتاين والتي أحضرت أطفالها ، لوكا 11 عاما و أنيا 9 أعوام لهذه المناسبة، وعرضت في كلمتها بعض الطرق التى يمكن للكاثوليك استخدامها لمكافحة الخوف من الإسلام والتي شملت الدراسة المشتركة وتفهم الأحوال التى كانت سائدة في السابق ومدى تأثيرها على الأحوال السائدة اليوم، بالإضافة إلى الانفتاح وتقبل القادمين الجدد ومد أيدى الصداقة لهم والعمل على غرسها بينهم.
وقالت “إن الوقت المناسب للتعرف على الناس في المسجد المجاور يجب أن لا يكون بعد حدوث شيء ما بل علينا إقامة وبناء الصداقات و العلاقات الإنسانية أولاً، وبعد ذلك وعندما تحدث الأشياء في أى مكان فى العالم ، يمكننا دعوة أصدقائنا.
أما القس توماس بايما ، النائب عن شؤون الأديان والعامل مع أبرشية شيكاغو، فقد قال” إنه على الرغم من أن الهجمات الإرهابية، مثل تلك التي حدثت في باريس أو في كاليفورنيا أو في أورلاندو، ترتكب بواسطة فئة قليلة في كثير من الأحيان فإن الاتجاه هو إلقاء اللوم على الدين كله”.
وأضاف “إن وسائل الإعلام عادة ما تصور الجانب المثير من الأحداث، وأرى أن السبب الذى يجعل لهذا العشاء أهمية بالغة هو أنه يبرز الجانب الآخر والذي هو الجانب المشترك بين المسلمين والكاثوليك فهم يعيشون هنا كجيران وأصدقاء متحابين على مدى ثمانية عشر عاماً”.
وأضاف بايما أن هذا الإفطار يبرز صورة متوازنة من القبول والتفاهم المشترك بين جميع الأطراف، مواصلاً حديثه” إننا نشاهد إساءة استخدام الدين في الأعمال الإرهابية والذى يجب أن يدان بواسطة كافة الزعماء الدينيين، ولكن الشيء غير الظاهر هو دور المواطن المسلم العادى الذى ينبذ أعمال العنف التي ترتكب باسم الدين، فعادة ما يبرز سؤال عن دور المجتمع المسلم وعن عدم ظهور أصوات المسلمين المعارضين للعنف، إننا نرى هذه الأصوات في هذه الليلة”.
وأشار إلى أن أوجه الشبه بين الديانتين المسيحية والإسلامية تفوق أوجه الإختلاف وأن أحد أوجه الشبه تكمن فى السهولة التي يمكن أن تفسر بها الديانتين بطرق خاطئة.
واختتم بايما حديثه بقوله “إن أى شئ سلبى يقال عن الإسلام يمكن أن يقال بنفس المستوى عن اليهودية أو عن المسيحية، وذلك لأن كل النصوص المقدسة تحتوي على أجزاء قد تفسر بطرق ملتوية تناسب أفكار وهوى بعض الأصوليين الشئ الذى لا يتوافق مع تفسير عامة المجتمعات المتبعة لتلك الديانات”.
وبعد أن اختتمت كلمات المتحدثين في تمام الساعة 8:32 مساء وهو موعد غروب الشمس ونهاية صيام ذلك اليوم من شهر رمضان اصطف الناس لتناول وجبة الإفطار.
وبعد أن أدى المسلمون صلاة المغرب فى المكان المخصص لهم في مبنى مؤسسة الزكاة إنضموا إلى زملائهم من الكاثوليكيين لتناول وجبة العشاء التى تحتوى على شيش كباب وشيش طاووق ، و بابا غنوج والحمص والتي قامت بإعدادها مطعم البوادي لطعام البحر الأبيض المتوسط الأصيلة والتي يوجد مقرها فى بريدج فيو.
وقد ضمت إحدى الموائد نهى وزوجها محمد دبوسى، وهو رئيس المركز الثقافي الإسلامي في منطقة شيكاغو الكبرى في نورث بروك، بالإضافة إلى ميليسا كيغان، والتي تعمل في كنيسة سانت باتريشيا في هيكوري هيلز، ووالدها ، تشارلز كيغان ،الذى يعمل كشماس في الكنيسة، كما انضمت لتلك المائدة كاثرين خيمينيز، والتي تدرس الطب بجامعة إلينوي في شيكاغو.
وقد عبر محمد عن رأيه بقوله “نحن مثلنا مثل أي شخص آخر، شعب مسالم هدفنا رعاية عوائلنا، إن الأفراد الذين يمارسون أعمال العنف والإرهاب لا علاقة لهم بالإسلام، إننا نجد أن هناك متطرفون في جميع الديانات وهم ليسوا مقصورين على الإسلام فقط ،كما أن الشخص الإرهابى هو إرهابى أياً كانت ديانته فمثلاً إذا قام شخص مسيحى بعمل إرهابى لن يوصف بأنه مسيحي بل يوصف بأنه إرهابي، هناك أعداد كبيرة من المسلمين حول العالم يقتلون يومياً بواسطة الأرهابيين لعدم اتفاقهم مع مبادئ وأفكار أولئك الإرهابيين”.
وأضاف دبوسى أنه وعلى الرغم من محاولات الكثيرين من المسلمين في أمريكا وأوروبا لإظهار أنهم مواطنون يحترمون القانون، لا تزال الكراهية نحوهم والخوف منهم تسيطران على الكثيرين من المواطنين الآخرين.
وتعقيباً على ما ذكره دبوسى قالت جيمينيز”لقد حضرت العشاء فقط لمعرفة المزيد عن الإسلام الحقيقى، فأنا لدىّ العديد من الأصدقاء من المسلمين الملتزمين، وأريد أن أتعلم المزيد عن الإيمان ، وأنها كاثوليكية متدينة ، أعتقد أنى أسير فى خطى بابا الفاتيكان”.