المفهوم الحقيقي للزكاة

المفهوم الحقيقي للزكاة

خديجة عبد الحليم
من بين كل مخلوقات الله يشتهر الإنسان بالطمع و باشتهاء ما يملكه الآخرون. إن الرغبة العمياء و المتنامية لبعض الناس في امتلاك الكثير والكثير تؤدي إلى اعتقال الروح الإنسانية السامية وإلى تعجيز الميل الطبيعى للروح في أداء وظائفها الروحانية العالية والتى تكون جزءاً من النفس البشرية السوية.
لكننا نجد أن الله العلى القدير الحكيم وما له من دراية كاملة بجميع مخلوقاته وطبائعها واحتياجاتها وضع لنا الترياق المناسب والذى يستطيع كبح جماح الجشع والطمع البشري ألا وهو الزكاة.
إنّ مفهوم الملكية الفردية يعتبر عاملاً محورياً في فهم معنى الزكاة وفي إستيعاب مقاصدها. والمعنى الظاهرى للزكاة هو إعطاء الآخرين من الثروات الخاصة بنا. إن الإنسان بطبيعته البشرية لديه اعتقاد جازم بأن كل ما يملك وما ناله بعمله واجتهاده هو ملك له وحده كما يصعب عليه استيعاب فكرة أن للغير حق فى هذا المال أو هذه الثروات ففي اعتقاده أنه هو المالك الشرعي لهذا المال لأنه هو الذي كدّ في جمعه فهاهو يسأل: ألم أعمل على اقتناء هذه الثروات؟ ألست المالك الشرعي والأوحد لها؟
وتأتى الإجابة بالنفي: لا نحن لسنا المالكين الحقيقيين لهذه الثروات بل المالك الحقيقي والأوحد لكل الثروات المتوفرة في الكون هو الخالق العظيم هو الله وأنه وبما لديه من حكمة فى توزيع هذه الثروات وضعها وأوكل أمر التصرف فيها لدى بعض خلقه إختباراً لهم في كيفية التصرف فيها فإن الله سبحانه وتعالى جعل بيننا الأثرياء كما جعل بيننا الفقراء وفى نفس الوقت ومن خلال آيات القرآن وتعاليم نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وضع لنا نظاماً إقتصادياً شاملاً يبين كيفية التعامل مع الثروات التي وزعها علينا بحيث ينال الجميع نصيباً منها.
الزكاة كلمة عربية مشتقة من معنى ” الزيادة “، أو ” النمو”. وقد يبدو أن هناك تناقض أو عدم وضوح في هذا المجال فكيف يمكن أن تحدث زيادة أو نمو في المال أو الثروة وأنت تأخذ منها وأنه من الأصح أن ينقص المال إذا أخذ منه جزء.
لقد وضع الله ثروته في أيدي الأغنياء وأتمنهم عليها فهم ليسوا بمالكيها الحقيقيين حتى يتسنى لهم إنفاقها على الفقراء. وهنا يظهر الجمال الحقيقي للزكاة فبدأً هي اتباع لأوامر المولى عز وجل فهو يبين لنا أن معنى الزكاة لا يقتصر فقط على مجرد توزيع المال على الفقراء، بل هو فعل إلزامي من الله سبحانه وتعالى من شأنه أن يعمل على زيادة تواضع معطى المال ومن خنوعه لخالقه واعتبار أن هذا العمل هو استثمار له لدى خالقه لأنه يجعل الفقراء مكتفين ذاتياً. كما أنه يكون سبباً في ازدياد ثروات المعطى لأن الله قد وعده بمضاعفة أصول ثرواته الدنيوية وفي نفس الوقت تتضاعف حسناته أضعافاً مضاعفة مما يعلي مراتبه في دار القرار وهو ما يصبو إليه كل مؤمن لأنها هي الدار الحقيقية الدائمة لنا.
إن الجشع والبخل والطمع هي صفات بشرية يجب على كل إنسان مكافحتها والتخلص منها لأن ذلك يؤدى إلى سمو النفس البشرية وارتقائها إلى مراتب عليا والابتعاد بها عن حيز الغرائز الحيوانية المتدنية ويمكن أن يتحقق ذلك بتخصيص جزء بسيط من ثرواتنا والتى هى فى الأساس ملك لله إئتمنا عليها بأن ننفق منها حسب ما تقضيه الشريعة الإلهية
إننا نجد أن هناك ميلاً طبيعياً داخل النفس البشرية السوية للتقرب إلى الله وإطاعته وإلى الإكثار من أعمال الخير ويمكننا تحقيق ذلك من خلال شعيرة الزكاة فإن مفهوم الزكاة يقوم على نظام اجتماعي متكامل يهدف إلى إزالة الفوارق الطبقية والاقتصادية والاجتماعية بين الأغنياء والفقراء حتى يتسنى لكل فرد فى المجتمع من نيل نصيبه من الثروات وحتى لا يحتاج أىٍ من الفقراء للتسول أو إراقة ماء وجهه. إن الإلتزام بالترابط الإجتماعى والذى يشعر به أفراد المجتمع نحو بعضهم البعض يمكن أن يتمثل في إعطاء المحتاجين جزء من ثرواتنا إطاعة لأوامر الله.
إن إخراج الزكاة المفروضة يمثل تطهير وتنقية الثروات التي يمتلكها الأفراد وتكون بمثابة وقاية لهم من الشرور في الحياة الدنيا وفى الآخرة وهنا يتبين معنى أن الزكاة تعتبر نماء وزيادة فهي من ناحية تعتبر زيادة في السلامة وفي الإبتعاد عن كل ما يمكن أن تناله أيدينا من أفعال قد تؤدي إلى إيذاء نفوسنا الطيبة النقية فهي تقينا من الوقوع في الآثام.
لقد ثبتت فاعلية نظام الزكاة إذا طبقت بالطريقة الصحيحة ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة تم تطبيق نظام الزكاة مما أدى لتقليص أعداد المحتاجين إليها تدريجياً كما أدى تطبيق نظام الزكاة خلال عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى إنعدام الفقراء المحتاجين للزكاة وصار كل فرد مكتفى ذاتياً. لقد تم بالفعل القضاء على الفقر كما ذكر النبى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ما معناه “أعطوا الصدقة وسوف يأتي يوم يمشي أحدكم بين الناس يريد أن يتصدق فلا يجد محتاجاً لصدقة” (يوجد الأصل في: سيرة عمر بن عبد العزيز، -ابن عبد الحكم – 59 )
قد تبدو الزكاة كركيزة إسلامية بصورة بسيطة لا تحتاج إلى شرح أو تفسير معقد وأن قواعدها الأساسية سهلة نسبياً وأنه ليس من الصعب الإلمام بطرق تنفيذها لكن في الواقع هي ليست بالسهولة التي تبدو بها فإن للزكاة وظيفة مركزية في المجتمع الإسلامي ذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق جميع بنى آدم وخلق لهم من الثروات ما يكفيهم جميعاً .وبكل بساطة علينا أن نعطي من ثروات الله التي ائتمنوا عليها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.