البحث عن الأمل على الحدود التركية – السورية – الجزء الثاني

10 يونيو 2016
للقس سي جي هوكينغ ، المدير التنفيذي لمنظمة “أرايز شيكاغو” و هاري أف وارد قس “تحقيق العدالة الاجتماعية” في الكنيسة الميثودية المتحدة في أوك بارك

5. لقد حظيت أعمال ومجهودات مؤسسة الزكاة بالإهتمام و الإعجاب من جانب الحكومة الأمريكية، وكان الغرض من زيارتي هذه هو استقبال الوفد المكون من عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي و أعضاء الكونجرس الذين حضروا إلى هنا ليتعرفوا على المزيد من أعمال مؤسسة الزكاة على أرض الواقع في مدينة غازي عنتاب. تحدث الدكتور دمير موضحاً دور مؤسسة الزكاة وماله من أثر إيجابي في مدينة غازي عنتاب، الشئ الذي نال اهتمام أعضاء الكونجرس وقد وضح جلياً أنهم يرون أن النهج الذي تتبعه مؤسسة الزكاة يمكن أن يعتبر نموذجاً لتحقيق الاستقرار في حياة اللاجئين و بالمثل لسكان مدينة غازي عنتاب.

لقد كان من المقرر أن نقوم بزيارة ميدانية لمدرسة مؤسسة الزكاة للمستوى K – 12 ولكن نسبة لأسباب أمنية تم تعديل برنامج الزيارة وذلك بتغيير مكان اللقاء والذي تم في مبنى منعزل في مطار غازي عنتاب وصحب اللقاء إجراءات أمنية مشددة.

في الليلة التي سبقت لقاء الوفد، كنت في غرفتي في الفندق، أكتب بعض الرسائل على البريد الإلكتروني لأرسلها لزوجي ولعدد من الأصدقاء المقربين حول الأحداث المخطط لها في اليوم التالي. لكني أدركت فجأة مدى سذاجتي، ذلك لأنني لم أتذكر المعلومات التي عرفت عن مقدرة داعش ( ISIS ) على اختراق أجهزة الكمبيوتر ، وعن شبكة إتصالاتهم التي أنشأت تحت الأرض في مدينة غازي عنتاب.

لم أتحقق من خطورة إرسال مثل هذه الرسائل إلا عندما كنت على وشك أن أضغط على زر “إرسال” ، عندها بدأت في مراجعة محتوى الرسائل. لقد عكس لي مستوى الأمن في المطار الخطر المحتمل من ISIS لإزهاق أرواح وفد الكونغرس الأمريكي، ووضع كل واحد منا على حافة الهاوية.

إنضم المغني وكاتب الاغاني الايرلندي الشهير، بونو ، إلى وفد الكونغرس،. وقد أضفى وجوده معنا موجة إنسانية بالغة عملت على تهدئة النفوس وبث الدفء في الأرواح الوجلة من الخطر المحدق في مبنى المطار على الرغم من تواجد قوات أمنية مكونة من ستة كيانات حكومية مختلفة. عندما وددت أن أشكره على جهوده في خدمة الإنسانية، أجاب باخلاص شديد ، ” أنا مجرد خادم للمجموعة”.

6. لقد تبين للوفد الامريكى أن التعليم الذي توفره مؤسسة الزكاة عالي المستوى،ومع ذلك فإن الشئ الذي يجعل المؤسسة فعالة وجديرة بالثقة، هو الطريقة التي توفر بها خدماتها وتديرها.

إن المساعدات التي تقدمها مؤسسة الزكاة للاجئين والمجهودات التي تقوم بها في غازي عنتاب لاتماثلها خدمات أيٍ من الجهات الأخرى التي تعمل على خدمات اللاجئين، وتنبني مجهودات الدكتور دمير ومؤسسة الزكاة على أسس خلق التآزر بين الموارد التعليمية المحلية و بين حكمة المؤسسة وخبرة كوادرها في معالجة احتياجات اللاجئين خلال تعرضهم للأزمات المختلفة. وكما هو واضح فإنه لاتوجد جهات أخرى من ذوي الخبرة لتحل محل مؤسسة الزكاة في ما تقوم به من أعمال في غازي عنتاب، وبدلاً عن ذلك فإن مؤسسة الزكاة تهدف لتوعية وإرشاد السكان المحليين في غازي عنتاب لتولي المسؤولية، والاعتماد على قدراتهم و التزاماتهم للإشراف على العمل وتنفيذه.

علاوة على ذلك، فإن مؤسسة الزكاة لا تملي علي اللاجئين السوريين ما يجب القيام به، بل تمهد لهم الظروف التي تساعدهم على الإعتماد على أنفسهم، فهي تعطي اللاجئين الحيز المادي والنفسي، بالإضافة لتوفير الموارد المادية التي تمكنهم من تحديد مسارهم المستقبلي وتعتبر هذه الطريقة من انجح الوسائل لتنظيم الشعوب فهي تهدف وتعمل على توفير المصادر وتشجيع خلق القيادات وسط الأفراد، ثم تركهم ليرسموا مستقبلهم بأنفسهم.

إن مؤسسة الزكاة تقدم نموذجاً مثالياً في معالجة أمور اللاجئين وقد تمثل ذلك في مجهوداتها لخلق صلة وثيقة بين اللاجئين السوريين وأفراد المجتمع المحلي في غازي عنتاب، ويعتبر ذلك إنعكاس جوهري لأهداف المؤسسة وهو السبب في نجاحها في إيجاد حلول لمشاكل اللاجئين على المدى البعيد.

7. لقد آن الأوان لجميع أهل الإيمان أن يتخذوا خطوات إيجابية لإيجاد الحلول لهذه المشاكل. وبالنظر إلى كل ما يحدث من تفجيرات في الآونة الأخيرة في تركيا وفي مختلف أرجاء أوروبا، فقد كان أول سؤال يتبادر إلى الأذهان و يسألني عنه معظم الناس بخصوص رحلتي إلى تركيا، هو”هل كنتي خائفة؟”.

وبنظرة فاحصة لهذا السؤال نجد أنه يحمل معنى أكبر، فمنذ اليوم الأول لقدومي إلى تركيا، صدرت أوامر من وزارة الخارجية الأمريكية لكل موظفي السفارة الأميركية وأسر العسكريين لمغادرة تركيا. لقد جعلني ذلك أشعر وكأنني أعدو نحو النار في الوقت الذي يحاول فيه الآخرون الإبتعاد عنها.

نعم، لقد كنت خائفة، كنت خائفة خلال تواجدي في مبنى مطار غازي عنتاب مع نواب الكونغرس الأمريكي، كنت خائفة عندما ذهبت إلى سوق اسطنبول الذي يحتوي على ثلاثة آلاف من المتاجر وأدركت أنه لا يوجد أي سواح آخرين غيري، كنت خائفة عندما كنت أمر من خلال أجهزة الكشف عن المعادن التي تم تركيبها حديثاً في مدخل الفندق الذي أقيم فيه، كنت خائفة عندما لم أتمكن من السير في الحرم الجامعي لجامعة اسطنبول بحرية وذلك بسبب الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضت على الطلاب، و التي لا تسمح بمرور الزوار، كنت خائفة في كل مرة أقترب فيها من أماكن تجمع السياح، كنت خائفة أن أتحدث باللغة الانكليزية في الشوارع أو الحافلات أوالطائرات، كنت خائفة عند نقاط التفتيش عندما يسلط الحراس أضواء أجهزتهم داخل سياراتنا.

لقد أثر كل ذلك في حياتي وانعكس على تصرفاتي حتى بعد رجوعي لوطني، فأنا الآن لا أقود سيارتي في طرقات المدينة بنفس السهولة والطمأنينة التي تعودت عليها قبل زيارتي الأخيرة لتركيا، وأنا الآن أشعر بالتوثب وأنا داخل سيارتي عندما توقفني إشارات المرور، وتجدني على الدوام محاطة بشعور خفي كأنه ينذرني بوجود خطر على مقربة مني.

إني أخط هذه الكلمات لاجل توضيح بعض المعاني الهامة والتي إستقيتها من تجربتي بعد زيارتي الأخيرة لتركيا.

إذا كان هذا هو الأثر الذي شعرت به أثناء وجودي في تركيا لمدة ثمانية أيام فقط، ولا زلت أشعر به الآن على الرغم من تواجدي داخل وطني حيث الأمان، لكم أن تتخيلوا الحال الذي يمكن أن يكون عليه اللاجئون الذين يفرون من همجية وبربرية نظام داعش ( ISIS )، ذلك النظام الأكثر همجيةً و شراً منذ اندحار نظام هتلر.

تخيلوا كيف يكون حالكم والأخطار تحدق بكم من كل جانب وعدم الأمان يطبق على المنطقة التي تقيمون بها وكل ذلك يحدث في جميع الأوقات ، حتى الوقت الذي تحاولون النوم خلاله.

تخيلوا أن معظم اللاجئين الفارين من جحيم الحرب للمحافظة على حياتهم يحاولون التكيف مع الظروف والأحوال التي تحدث لهم بعد الصدمات النفسية والجسدية، أضف إلى ذلك الحزن الهائل الناتج عن فقدان الأفراد الأعزاء أو الممتلكات المادية.

هل كنت خائفة؟ بالطبع كنت خائفة، ولكني الآن أكثر خوفاً من أن يكون الوفد الذي ذهب في شهر أبريل الماضي آخر وفد يزور تلك المنطقة، وأنا أكثر خوفاً أن آذان الشعب الأمريكي لا تسمع صرخات اللاجئين السوريين، وأنا أكثر خوفاً أننا لن نقوم بواجبنا على أتم وجه، كما أمرنا الله، لوضع حداً لمعاناة أخواتنا وإخواننا ممن يقاسون التشرد والظلم في جميع أنحاء العالم.

لقد تضرر الشعب السوري كثيراً. إنهم في حاجة الى الأمل، وإلى المساعدات التي تحقق لهم هذا الأمل مثل المدارس التي تقوم بإنشائها والإشراف عليها مؤسسة الزكاة. إن وجود الشعب السوري في قارة أخرى بعيدة عن قارتنا لايعني أن نتجاهلهم أو أن نغض الطرف عن معاناتهم وعن ما يتعرضون له من تشريد وتشتت وعلينا ألا نعتقد أن جهات أخرى هي المسؤولة عن الإهتمام والعناية بهم.

إن هنالك مسؤولية ضخمة تقع على عاتق كل من يدين بالرسالات السماوية، وعليهم أن يقودوا الطريق، وكما تخبرنا الكتب السماوية يجب علينا أن نرحب بالغريب، ويجب علينا التخفيف من معاناة المتضررين. لقد آن علينا الأوان أن نخرج من صمتنا الذي دام طويلاً وأن لا نغض الطرف عن ما يحدث حولنا من أهوال ومصائب.

يجب على كل من يدينون بالرسالات السماوية التعاون مع مؤسسة الزكاة وغيرها من المنظمات المماثلة لتحقيق قدراً أكمل من العدل الذي أمرنا به الله من أجل معالجة أكبر أزمة للاجئين في عصرنا الحاضر.

يجب على كل من يدينون بالرسالات السماوية الضغط والتأثير على حكوماتهم حتى نتمكن من فتح أبواب بلادنا ونستقبل ونرحب باللاجئين المتوجهين نحو أوطاننا.

لقد آن الأوان لنا لتجسيد معنى الرحمة والتعاضد، إننا نأمل أن يقودنا إيماننا إلى مشاركة الآخرين آلامهم وأحزانهم ومعاناتهم وأن نمد لهم يد المساعدة.