البحث عن الأمل على الحدود التركية – السورية – الجزء الأول

القس سي جي هوكينغ ، المدير التنفيذي لمنظمة “أرايز شيكاغو” و هاري أف وارد قس “تحقيق العدالة الاجتماعية” في الكنيسة الميثودية المتحدة في أوك بارك
لقد تلقيت دعوة كريمة من قبل المدير التنفيذي لمؤسسة الزكاة الأميركية، السيد خليل دمير لأكون شاهدةً على أعمال مؤسسة الزكاة لمساعدة اللاجئين السوريين المتواجدين على الحدود التركية – السورية ، بالإضافة للترحيب بوفد الكونجرس الأمريكي الذي حضر خصيصاً ليتعرف على عمل مؤسسة الزكاة في تلك المنطقة. أود هنا أن أحكي لكم عن تجربتي الشخصية لتلك الزيارة.
لا يمكننا أبداً فهم كل ما يشير إليه معنى اللجوء أو أن يكون المرء لاجئاً، يكاد يكون من المستحيل بالنسبة لمعظمنا فهم المعنى الحقيقي للجوء أو التجربة التي يعيشها اللاجئون، فقط علينا أن نتخيل الأشياء لتقريب تلك الصورة، فتخيل أن نصف مواطني بلدك يهجرون وطنهم، ويفرون خوفاً على حياتهم، كذلك تخيل وفاة جميع أفراد عائلتك وأصدقائك وتدمير المدن والقرى، تخيل كل تلك الأشياء التي أجبرتك على اتخاذ مثل هذا القرار المشؤوم وإلى ترك وهجر كل ما اعتدت عليه في حياتك.
تخيل أن عليك اختيار الأغراض والأشياء التي سوف تحملها معك ، علماً أنك تحملها على ظهرك أو بين ذراعيك، تخيل أنك ستقول وداعاً لمنزلك ولجيرانك ولمدرستك ولجميع الأشياء التي كانت تكون جزءاً من حياتك – مثل طبيبك الخاص و الجماعة العقائدية الخاصة بك ومدرستك و متجر الخبز المفضل لديك،تخيل أن جميع الوسائل التي تجلب لك راحة البال، و الروتين اليومي الذي اعتدت عليه و الأفراد الذين يعطون الإحساس بالانتماء للمكان تخيل أن كل ذلك يختفي من حياتك في فترة قصيرة.
تخيل وجود أطفالك الصغار معك، كيف يمكنك أن تفسر لهم كل ما يحدث وكل ما يشاهدونه من عدم الاستقرار في حياتهم وكيف يمكنهم استيعابه، كذلك كيف يمكنك أن تفسر ذلك لنفسك؟
أو تخيل وجود والدين مسنين كنت تقوم برعايتهم أو شقيقة حامل أو صبي معاق في سن المراهقة كنت تشرف عليهما.
ليس هناك شيء مؤكد باستثناء عدم معرفة ما يمكن أن يحدث لهم أو الفوضى الشاملة التي قد تسود حياتهم من جراء ذلك.
لذلك يبرز السؤال: أين وكيف يمكن للاجئين أن يجدوا الأمل لغدٍ مشرق وسط كل ما يحدث لهم؟
لقد تم إلقاء مسؤولية كبرى على عاتق تركيا، وعلى وجه الخصوص، مدينة غازي عنتاب، لكي تتحمل أكثر مما هو معقول أو مما يتوقع من أي مدينة أو بلد آخرين.
غازي عنتاب والتي يبلغ عدد سكانها مليون ونصف المليون، هي أكبر مدينة في جنوب شرقي تركيا كما إنها تعتبر أقرب مدينة إلى الحدود السورية-التركية، وفي نفس الوقت توجد العديد من مخيمات اللاجئين المنتشرة في الأرياف بالقرب منها.
بالإضافة إلى ذلك، فقد نزح حوالي ثلاثمائة ألف شخص إلى مدينة غازي عنتاب مما يعني وجود لاجئ واحد مقابل كل خمسة أشخاص من سكان غازي عنتاب الأصليين، وهو ما يعادل إقامة ستمائة ألف لاجئ في حدود مدينة شيكاغو.
على أثر ذلك سترتفع أسعار الإيجار بنسبة ثلاثة وثلاثون بالمائة حيث أن الطلب على الإيجار يصبح عالياً جداً كما هو الحال في مدن شبيهة مثل مدينة شيكاغو.
وسوف ينعكس أثر ذلك سلباً على العمالة في مدينة غازي عنتاب ،كما يمكن أن يحدث في شيكاغو، ذلك لأن اللاجئين لا يتوانون في قبول أي مهنة وبأي أجر مهما كان قليلاً، مما يؤدى إلى تخفيض عمالة العمال المحليين وترك أعداد كبيرة منهم من العمل.
كل ذلك يمكن أن يولد ويشعل مشاعر الاستياء والغضب يؤدي إلى الانقسامات بين المواطنين واللاجئين، الشئ الذي إذا ترك بدون علاج ولم تتم مخاطبته بصورة متزنة يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة.
علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن معظم السكان من الأتراك والسوريين في تلك المنطقة يتبعون نفس الديانة ، فإن لغاتهم وثقافاتهم وأعرافهم تختلف.
لقد نما إلى علمي أن هناك مدينة واحدة يبلغ عدد سكانها الأصليين خمسة عشر ألفاً في حين أنها استقبلت حوالي عشرين ألف لاجئ.
إن هذا الوضع لا يقتصر تأثيره على السوريين فقط على ما أعتقد بل يمتد ليشمل سكان المدينة الأصليين المجموعتان من السكان سوف يصابون بصدمات نفسية عميقة، فقد تغيرت حياة السكان في فترة وجيزة وعلى جميع المستويات.
إن التغيير التدريجي، بالنسبة لمعظمنا، يعتبر أمراً صعبا، وبالنسبة للاجئين الذين يستقبلونهم يكون تأثير مستوى التغيير الذي يواجهونه عميقاً و يصعب تصوره مما قد يتسبب في صدمات نفسية كبيرة.
وهنا نسأل أيضاً: أين وكيف يمكن للمجتمعات التي تستقبل وترحب باللاجئين أن تجد الأمل لغدٍ مشرق؟
إن العمل الذي تقوم به مؤسسة الزكاة في تركيا أمر محوري ومصيري لتحقيق الاستقرار في حياة الناس، وبالتالي في كافة أرجاء الإقليم.
تقع قرية سيرتب الكردية والتي يقطنها ثلاثمائة شخص، على بعد ثلاثين دقيقة من مدينة غازي عنتاب وهي تابعة لمنطقة اورفا حيث نشأ خليل ديمير المدير التنفيذي لمؤسسة الزكاة.
لقد ساعدت معرفة السيد ديمير لتلك المنطقة و اتصالاته الشخصية الواسعة على أن تكون مؤسسة الزكاة في مقدمة المستجيبين لمعالجة أزمة اللاجئين، وتمكنت المؤسسة من الوصول للاجئين قبل وصول الهيئات الأخرى مثل فرق الصليب الأحمر.
لقد أدت مساعدات الطوارئ التي وزعتها مؤسسة الزكاة إلى تحقيق الإغاثة الضرورية وعلى جلب الراحة والطمأنينة للاجئين ولكن رغماً عن ذلك لاتزال هناك مراحل عديدة أخرى من رحلة اللاجئين.
ويعتبر وصول اللاجئين إلى مخيم آمن لهم هو الخطوة الأولى في تحقيق الاستقرار في حياتهم، وكل ما يأتي بعد ذلك سوف يكون له تأثير كبير في على مدى السنوات التالية.
وهناك سؤال آخر يفرض نفسه: ثم ماذا قد يحدث بعد أن دخل ثلاثمائة ألف لاجئ إلى مدينة غازي عنتاب؟
لقد استفاد السيد ديمير من علاقاته واتصالاته الواسعة بالإضافة إلى سمعته الطيبة والمحمودة في منطقة غازي عنتاب، السمعة التي حدت بمواطني المنطقة بإطلاق إسمه على إحدى المدارس هناك، استفاد السيد ديمير من كل ذلك ليطلب من قادة مدينة غازي عنتاب السماح له بإنشاء مدارس لتعليم أبناء اللاجئين السوريين على أساس أن يقوم معلمين سوريين بتدريس الطلاب السوريين في فترة ما بعد الظهيرة وبعد أن يخلي الطلاب الأتراك الفصول الدراسية، وبذلك يمكن للطلاب السوريين الدخول إلى المباني المدرسية في الساعة الثانية بعد الظهر وبداية الدراسة بطريقة عادية ومنتظمة تماما كما كانوا يفعلون في سوريا قبل وقوع الكوارث في بلادهم.
تتحمل مؤسسة الزكاة مسؤولية تعليم ما يفوق ألفي طالب سوري يداومون على الدراسة خمسة أيام في الأسبوع وذلك في غازي عنتاب وحدها، بالطبع هنالك فوائد كثيرة للمدارس فالمدرسة تعطي الأطفال التقويم السليم، وتنمي فيهم معنى الحياة، وتغرس فيهم الأمل لمستقبل حياتهم، كذلك فإن المدرسة تكون دافعاً للاستقرار النفسي وتشير إلى مستقبل واعد و تعطي آمالاً بأن الحياة سوف تتحسن في المستقبل، إن المدارس تفيد الطلاب إلى حد كبير وفي نفس الحين تمثل مكان استقرار للكبار.
ويوجد تواصل دائم بين الآباء والمعلمين، فعندما يحضر الآباء أطفالهم للمدرسة أو عندما يأتوا لأخذهم عند نهاية اليوم الدراسي يجدون الفرصة للتحدث مع المعلمين بخصوص أبنائهم مما يخلق رباط وثيق ودائم يصب في مصلحة الأبناء ويكون عاملاً في الإستقرار النفسي بالنسبة للآباء، الأمر الذي يعطي لهم الأمل في دور المستقبل ويذكرهم أن التعليم هو حجر الأساس لذلك الأمل.
ويجد الآباء عند حضورهم للمدرسة الفرصة السانحة لتجاذب أطراف الحديث مع الآباء الآخرين وتبادل الأخبار والمعلومات المفيدة، ويعطيهم ذلك التواصل للتنفيس عن الصدمات التي تعرضوا لها من جراء الحرب واللجوء ويناقشون تطلعاتهم مع بعضهم البعض مما يعتبر خطوة مهمة في حياة اللاجئين تهيئهم للتفكير الجاد والمتزن لكيفية إعادة بناء حياتهم.
وعليه فإن المدارس تمثل عاملاً هاماً وأساسياً يساعد على استقرار المجتمعات، لهذا فإن مؤسسة الزكاة تشكل قوة كبيرة في عملية تحقيق ذلك الاستقرار من خلال إنشائها ودعمها للمدارس، وتعتبر المدرسة هي المكان الذي يجد فيه اللاجئون الأمل لغد مشرق.
تعد مؤسسة الزكاة الشباب لاتخاذ أدوار قيادية في الحاضر و المستقبل
بالإضافة إلى النجاح الملحوظ الذي حققته مدارس مؤسسة الزكاة لصفوف K – 12، فقد اشترت المؤسسة المباني و قامت بإنشاء كلية خاصة للاجئين السوريين، يقوم بالتدريس فيها معلمين سوريين وقد بلغ عدد الطلاب المسجلين بالكلية ما يقارب خمسمائة طالب.
وحينما يقف الشخص خارج المبنى الذي يضم جامعة الزهراء، التي أنشأتها مؤسسة الزكاة في مدينة غازي عنتاب ، يلفت انتباهه منظر الألوان الزاهية للمبنى حيث نجد أن الطوابق المتتالية تتزين بـ الطلاء البرتقالي والأصفر والأزرق، مما يشير إلى وجود أمل مشرق ينتظر كل من يدخل ذلك المبنى.
بالإضافة إلى الفصول الدراسية تحتوي الجامعة على مختبر حاسوب ومكتبة وكافتيريا، وكذلك يوجد بها بهو شيد في الهواء الطلق على السطح فوق الطابق الأول للمبنى.
مؤسسة الزكاة تقوم بتغطية كل تكاليف الأساتذة والكتب وأجهزة الكمبيوتر والمفروشات، وغيرها بحيث أن الطلاب لا يدفعون الرسوم الدراسية و تتوفر لهم فرصة متابعة الدراسة لنيل المعرفة التي تساعدهم وأسرهم في حياتهم المستقبلية.
وخلال طوافنا في الجامعة إلتقينا إحدى الطالبات، وتدعى فاطمة، وقد صادف ذلك اليوم عيد ميلادها الرابع والعشرين.
وقد علمنا أن فاطمة تجيد التحدث باللغات العربية والتركية والإنجليزية لذلك فقد كانت مهمتنا في التحدث إليها سهلة وحدث اتصال فوري بيننا.
وتبين لنا أن فاطمة طالبة جادة وتمتلك شخصية ودودة وقوية، وقد تحدثت عن جاهزيتها للمساهمة في إعادة بناء وطنها الحبيب سوريا، والتي دمرتها الحروب والصراعات.
وقد أوضحت أنها في حاجة لمواصلة تعليمها وتطوير مهاراتها القيادية حتى تكون جاهزة عندما تعود مع أبناء وطنها إلى سوريا لاستعادة أراضيهم وإعادة بناء حياتهم.
لقد كانت فاطمة تشع بالتفاؤل وذكرني ذلك قول النبي العظيم أشعياء: ” يهلك الناس إذا لم تكن لديهم رؤية مستقبلية”، لقد توفرت لفاطمة الرؤية والعزيمة القوية لحد فاق التصور الإنساني.
إن العمل الذي تقوم به مؤسسة الزكاة لمساعدة اللاجئين يعطي ويعزز الأمل لقادة المستقبل في سوريا و غازي عنتاب كما إنه يعمل على توجيههم في الاتجاه الصحيح نحو غدٍ مشرق.